أرشيف الكاتب - نصوص مسرحية

قصة جثة



قصة الجثة
- اتركي مكاني

- لكني كنت..

- (قووومي) .

          بصقت ... أو هكذا تمنيت . شتمت ياقته المتسخة ، أسنانه التي اصطبغت بدخان السجائر العفنة الرخيصة ، انتقلت إلى مقعد بعيد جدا.

-  تشاهدين تلفازي أيضا .... تفووووو .

           أمسك (الريموت كنترول) بيده المسودة بفحم الأرجيلة القذرة ، تجشأ بصوت أقرب إلى النهيق ، أدار محطة C.N.N  التي كنت أتابعها ...قطع عني برنامجا عن الحياة في امريكا .. وهو يردد :

- عميلة ..عفنة .

          بصق ثانية باتجاه المقعد المهترئ الذي ابتلعني، تفحص قسمات وجهي ، حدق في عيني .

-         ترغبين بالذهاب إلى بلاد الكفر والشر ...يا عاهرة .

أترك المكان .. أهرب لغرفتي الصغيرة ... الباردة .

أدار المحطة ...تك ، نشرة أخبار ..تك ، برنامج ثقافي ..تك ..فيلم تسجيلي ...تك مطربة تتأوه على السرير .

       توقف عندها ، مسد شاربيه ، نقر باصبعه على طاولتنا الباهته الجالس لصقها ، ثم صاح:

-         شاي ..

  ( استرجع  فقرات البرنامج .. اقلب المشاهد في ذاكرتي)

- قلت شاااااي .....

      ( الطائرة تهبط في مطار جون كينيدي بنيويورك )

- الشااااااااااااااااي

( احتضن حقيبتي التي تدفئ  عذابات فرجينيا وولف ، لحية ويتمان ،و انفعالات جيمس جويس ..)

- الشاي يا بنت الكلب

(أشم رائحة الفستق الممزوج بالقرفة في تقاطع شارع برودواي مع الطريق الخامس ..أتوحد مع الأضواء التي تنعكس من واجهة مسرح 69 )

صفعة تدير وجهي بالكامل ..تتوامض حدقة عيني ، يسود لون الغرفة الكالح ، ينتفض جسمي كما طير أصابه بلل .

- بما سرحت يا عفنة ..؟!

ألملم عضامي كما بقرة تتأهب للذبح ، اسحب خطواتي الذليلة ، أدفن كرامتي ودموعي في ابريق الشاي الذي يأز .

(يتعالى صوت الساكسفون ، تنساب في أذني نغمات ارمسترونج ..تأخذني إلى جسر بروكلين ... إلى أزقة منهاتن )

 الشاي ....... يفور

(أتماوج مع أجنحة نوارس نهر هدسون )

يتدفق الشاي من الابريق

(واقفة أنا في قاعة هنري ميللر ، أتنفس بعمق ، أقلب صفحات اطروحتي: صورة المرأة في الأدب العربي الحديث)

يسـْـوَدّ جوف الابريق ...

(يتمايل رأسي شمالا ويمينا ، أزهو بلكنتي الانجليزية ، تتصاعد آهات الاعجاب من منصة الحضور ، يصفق المدرج انبهارا ...)

يتحول الماء المغلي إلى سخام أسود ناعم يبطن وجه الابريق ..

(يتداول المشرف والاعضاء القرار ..)

          تتأوه الجثة التي تحتل مقعدي من فرط النشوة ، تتمايل طربا مع مطربة عارية ، وتضع كفها الأيمن في طيات جلبابها المطوي بين فخذيها .

(قررت اللجنة المكونة من هارولد ويلسون عميد كلية الأدب وعضوية مارك ديلفي وجانيت براندمان منح درجة الدكتوراه في الأدب لـ..)

- بنت الكلب ..عديمة الاخلاق والتربية .

عينان مخيفتان تحرق ظهري ، تتسارع ضربات قلبي ، يعتري الارتجاف جفوني ، تتجمد صرختي في جوفي ..

- لو كنت خلفت بقرة لكانت نفعتني..

ابريق الشاي ، يلتصق بوجهي ، ومضات متوالية تخطف بصري ، شعور بالفراغ ، بالتقيؤ ، بالنزيف ، يعتريني .

- لعن الله خلفة البنات

تتحرك الأكف العريضة الخشنة أعلى أسفل ..يمينا شمالا ..صعودا هبوطا ، متناغمة مع حركة الأرجل ذات الأقدام المفلطحة القذرة .

-         فاسدة ..بلهاء

                            *          *            *

 

أستل سكينا ...أرويها كتل القهر والمر  ..أصك على أسناني ..تنفرعروق رقبتي .

أهبط بها على رقبة الجثة ، يرتفع سقف المطبخ ، تتباعد جدرانه ، تتصافق درف شبابيكه ، تتصاعد موسيقى الساكسفون ، تندلق أمعاء الجثة ، تصطبغ أرضية المطبخ باللون الأسود المصفر ، تفوح روائح عفنة والجثة تهتز ، تفتح فمها ، تمد لسانها ، تشير باصبعها تجاهي ، تقهقه ..تبصق ... تقف ... يسود المكان...... عتمة مخيفة .

تأليف - علاء الجابر 

جاليري